انتهى المسلسل.. كيف كانت حياتي قبله؟

 لكل شيء نهاية. كم هي فكرة حزينة جداً، أو مريحة جداً على حسب من أين تُطِل عليها. تلك الأيام المليئة بالعادية الجميلة المملة التي سرعان ما نعتادها حتى ننصرف عن تقديرها، ستنتهي. الأوقات البائسة التي نشعر فيها كما لو أننا بداخل بئرٍ عميق و نرى الحياة خارجه تسير بصورة طبيعية جداً و لكنها بعيدةً عنّا، ستنتهي هي الأخرى. العلاقة التي نراها كملجأ لطيف من بؤس الحياة و تبدو في حالة معقولة من الاستقرار، من الممكن أن تنتهي أيضاً، و في حالة استمرارها لا بد من وداع أحد الطرفين للآخر في النهاية. هكذا حُكم على البشري بالنهاية.


أغرق في هذا المسلسل الذي تُشعرني أجواؤه بالدفء، لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً لا أفعل أي شيء غير أساسيات الحياة و هذا المسلسل. إنه من نوعية المسلسلات التي لا تعتمد على الإثارة و الأحداث غير المتوقعة، يعتمد فقط على ارتباط المُشاهد بالشخصيات والأحداث العادية جداً. هذا المسلسل أيضاً، ينتهي. بعد أسابيع من استخدامه للهروب من الأفكار و المخاوف و حتى المسؤوليات، يتركني هنا في مواجهة كل شيء مرة أخرى. قد اختار البحث عن ملهيات أخرى كالعادة و لكنني أريد أن اختار المواجهة هذه المرة. فكل ما هو مؤجّل لا زال موجوداً، و بصورة أعمق و أكثر رعباً.

دائماً ما تُدخلني نهايات المسلسلات أو الروايات أو حتى الكتب في حالة غريبة من الحنين والحزن العاديّ إذا صحّت تسميتي. أسميه كذلك لأنني لا أمانعه، لا يشبه أنواع الحزن المرهِقة الأخرى، ببساطة هو شعور إنساني عميق جداً و إدراك أعمق لتفاصيل الحياة و الإنسان و الإنسانية، يمكن أن نطلق عليها أيضاً حالة من التأمُّل المشوب بالحزن. تُثير بداخلي هذه الحالة الكثير من الذكريات، الأفكار، الأحاسيس و أحياناً الآمال المنسية. 


أتأمل على سبيل المثال في تشابُه التجارب الإنسانية، كيف أننا جميعاً باختلاف هذه التجارب ننتهي للشعور بنفس الأشياء، هو عدد محدود من المشاعر نمرُّ عليه تباعاً شئنا أم أبينا. فالوحدة هي الوحدة، و الطمأنينة هي الطمأنينة. في عالم مثالي، كان سيكون إدراكنا لتشابهنا هو الحل لكل مشاكل العالم. فحين تدرك أن الشخص الذي أمامك سيشعر بما كنت ستشعر به لو كنت مكانه، ستكون رحيماً به و مراعياً لتجربته و جانبه من الأحداث بشدة. 


و لكن مثل هذه الفكرة تتناقض بشدة مع طبيعة الإنسان، فالتعاطف الإنساني يصبح تأثُّر تام لو كان مصدر التعاطف شخص قريب. كما أننا لو تأثّرنا بذات القدر مع جميع الأشخاص لما استطعنا الوصول لنهاية يوم واحد من أيام الحداثة و التطور التكنلوجي هذه. يتفاخر الجميع بفكرة أن العالم الآن "قرية صغيرة"، غير ناظرين من منظور المُتعاطِف مع من حوله. لا أريدُ للعالم أن يكون قرية صغيرة، فلم يكن الناس في ماضي الزمن دائمين التعرض للأحداث السلبية مثلنا. كان الإعصار الذي لم يمر على قريتهم لم يحدث، و القصص المتناقلة دائماً قابلة للتأويل أو عدم التصديق. و لكنني الآن عندما استيقظ و امسك بهاتفي لأقرأ خبراً عن مذبحة في في بلد بعيدة، ليس هنالك مجالاً لعدم التصديق، فكل شيء أمامي مصوَّر و هنالك شهود من مكان الحدث. بصورة شخصية، و بلا أي مرجعية علمية، أرى أن الهروب من التعاطف في عهدنا هذا بسبب سيول الأخبار السلبية سيؤثّر بصورة جادة على قدرة البشرية على هذا الشعور. لأن تعرّضنا للأخبار السلبية شبه حتمي، و عليه سنطوِّر آليات لمنع التأثّر مع ما نراه. كمثال بسيط، منذ بداية ثورة ديسمبر و حتى من قبلها، كنت اتجنّب المشاهد الدموية المنتشرة على مواقع التواصل لأن تأثُري بها يتعدى اللحظة بكثير. و لكنني شاهدت حولي كيف تطورت مقدرات من يسمحون لنفسهم بمشاهدتها، من عدم تحمُّل صورة لشخص مصاب، للاستمتاع بفيديوهات إصابات "الجنجويد" أثناء الحرب. فحتى مشاهدة عدوّك و هو يتأذى، لا يجب أن تكون مصدر للسعادة من منظوري. 


كيف وصلنا بالحديث إلى هنا؟ 

هكذا أصبحت حياتنا، نبدأ أحاديثنا بمواضيع عادية جداً، كنهايات الأشياء، و ننتهي للحديث عن الحرب. كحتمية نهاية كل شيء، تحتَّم على كل أحاديثنا و أفكارنا أن تنتهي إلى الحرب.


Comments

Popular posts from this blog

أيام الحرب الأولى (في وقت ما بين 15 مايو و حتى 30 يونيو من 2023)

نظرة زمنية على التصوير الفوتوغرافي في السودان (مقال بحثي)

يوم في حياة الطفلة التي هي أنا (كُتب بتاريخ 3 مارس 2022)